ملاحظات نقدية حول المعارضة السورية وضرورة بناء قيادة ثورية جماهيرية بديلة
تيار اليسار الثوري في سوريا
5/6/2012
غياث نعيسة
(أخذ من الحوار المتمدن-العدد: 3750 – 2012 / 6 / 6)
تعيش المعارضة السورية على وقع المبادرة الدبلوماسية الاخيرة لكوفي أنان ومراقبيه الدوليين. فقد أصدر مجلس الامن قراره 2042 في منتصف نيسان، دعماً لمبادرة أنان وإرسال مراقبين إلى سوريا، بموافقة حلفاء النظام، وبالأخص روسيا والصين.
وفي حين كان من المفترض أن تطبق السلطة الدكتاتورية في دمشق إعلان التزامها بالبند الأول من المبادرة المذكورة، التي تخص وقف إطلاق النار، وهو ما أعلنته الحكومة السورية في 12 نيسان، إلا أن ما تشهده البلاد هو شيء مختلف تماماً، حيث تتابع قوات الجيش والاجهزة الأمنية حملات القصف والحصار واقتحام المدن، ولا سيما في حمص وادلب ودرعا، ليصل عدد الضحايا إلى الآلاف، منذ إعلان المبادرة.
والحدث الأهم في وقائع الثورة هو أن مظاهرات الجمعة، التي تلت، مباشرة، إعلان كل من الحكومة السورية وقف إطلاق النار – من دون احترامه – وإعلان «الجيش السوري الحر» أيضاً الشيء نفسه، شهدت نهوضاً ملحوظاً، في عدد المظاهرات والمتظاهرين، في أكثر من 770 نقطة انطلاق للمظاهرات، على الصعيد الوطني، تحت شعار «ثورة لكل السوريين». وهو أمر شكل عودة إلى السياق الاول والاصيل لشعارات الثورة السورية، قبل أن تحتكر تسمياتها ذات الشحنة الدينية مجموعةُ صفحة «الثورة السورية» على الفيسبوك، وهي ذات ميول إسلامية.
باركت مكونات المعارضة السورية المعروفة مبادرة أنان، فهيئة التنسيق الوطني للتغيير الديمقراطي رأت فيها تلبية لرؤيتها ولاستراتيجيتها في التغيير، والمجلس الوطني السوري أيدها وإن بتشكك من جدية التزام النظام بها، وهو المجلس الذي قام لتسويق فكرة ضرورة التدخل العسكري الخارجي، تحت يافطات عديدة منها «الممرات الانسانية» أو «المناطق الأمنة». بل وحتى «المنبر الديمقراطي السوري»، المولود الاخير للمعارضة، الذي بادر للدعوة له عدد من تاركي هيئة التنسيق، وهو شكل من أشكال التجمع والحوار هلامي الحدود والاهداف، بارك هو ايضاً مبادرة أنان.
على ارض الواقع، تقدم الثورة السورية تضحيات مرعبة، في مواجهة نظام دموي ومتوحش. فقد تجاوز عدد القتلى الخمسة عشر ألف قتيل، والجرحى الاربعين الفاً، والمفقودين السبعين ألفاً، وعدد الاعتقالات يقارب الربع مليون، ويقدر عدد السكان النازحين داخل البلاد، بنتيجة القصف والدمار الذي لحق بأحيائهم ومدنهم، بحوالي المليون ونصف المليون نسمة.
وفي المقابل، ورغم دخول الثورة في شهرها الخامس عشر، عند كتابة هذه الأسطر، واستمرار الكفاح الجماهيري الثوري من أجل اسقاط النظام، ومع تزايد ظاهرة التسلح، والعسكريين المنشقين تحت اسم «الجيش السوري الحر»، إلا أن النظام ما يزال قائماً، بالرغم من علامات إنهاكه الواضحة، وقواتُه العسكريةُ والأمنية ما تزال إلى حد كبير متماسكة، ورغم تزايد الانشقاقات فيها غير أنها تبقى محدودة، وجهازه السياسي لم يشهد انشقاقات ذات قيمة.
في الوجه الآخر، نشهد أن مكوني المعارضة السورية المذكورين أعلاه (المجلس والهيئة) ما يزالان يقبعان راكدين في وضعهما، الذي كانا عليه منذ أشهر، بل زاد ضعفهما وتفككهما وعزلتهما الفعلية عن الجماهير والحراك الثوري الجاري، مع تفاقم تشوش اطروحاتهما ونخبويتهما المتغطرسة في التعامل مع الكفاح الجماهيري، ليصلا كلاهما إلى مأزق حقيقي، يبدوان معه أسيرين لحسابات شخصية ضيقة لا تمت بأي صلة لمصالح كفاح الجماهير السورية، الثائرة من أجل حريتها وانعتاقها من نظام مستبد ودموي وفاسد.
معارضة لا ترقى لمستوى الثورة
إسطنبول، المدينة التي عرفت نشاطاً محموماً لأقسام هامة من المعارضة السورية، منذ الأشهر الأولى للثورة، شهدت في شهر آذار/مارس الماضي الاجتماع الثاني لمجموعة «اصدقاء سوريا»، بحضور ممثلين عن 83 دولة.
وهو الاجتماع الذي أعلن في ختام أعماله اعترافه بالمجلس الوطني السوري، باعتباره «يمثل كل السوريين»، وأنه «طرف رئيسي» في المعارضة السورية.
وأن كان هذا الاعلان أقل بكثير من ادعاء المجلس نفسه أنه «الممثل الوحيد والشرعي للشعب والثورة»، فهو شكَّل دعماً صريحاً وواضحاً له، من جانب الحكومات المعنية، ولا سيما الولايات المتحدة واوروبا والسعودية وقطر وتركيا، وهي الدول الراعية له، والتي تقدم له الدعم السياسي والمالي والاعلامي.
ورغم هذا الدعم والضخ الاعلامي الهائل لصالحه، فإنه لا يستطيع ان يخفي حقيقة أنه بات أقرب إلى شبح بلا روح، ولكن تحافظ عليه الدول المعنية، لأنه ورقتها السورية «المعارضة».
عندما أعلن عن تشكيل «المجلس الوطني السوري» في إسطنبول، بتاريخ 2 تشرين أول/أكتوبر 2011، وجد له بعض الصدى في أوساط الحراك الثوري، الذي كان يحتاج إلى تعبير سياسي له، ولكنه بدد سريعاً هذا الرصيد الجماهيري، بتأثيرات من سياق تشكله اللاديمقراطي، و تخبط تصريحاته، ومواقفه المستسهلة لقضية استقلالية إرادة الشعب السوري، وعدائه المعلن لمحور إيران- حزب الله، لصالح السعودية وقطر وتركيا، وموقفه المهادن من قضية تحرير الجولان، بحيث نادى «باستعادته عبر المفاوضات وفق الشرعية الدولية»، والمواقف المخزية لبعض قياداته، مثل تصريحات المديح لدولة اسرائيل، من جانب ناطقة أساسية بلسانه، هي بسمة القضماني.
ولكن انسداد افق الرهان الرئيسي لهذا المجلس على تدخل خارجي وشيك، وما خلقه من وهم كبير به، إضافة إلى النزاعات الشخصية والخلافات السياسية والفضائح المالية، أجهزت تقريباً على ما كان تبقى له من صدقية، في أعين المتظاهرين، بحيث يصلح القول بأن تعامله الاساسي في الداخل يقتصر على عدد محدود من المجموعات، ولا سيما بعض أطراف «الجيش السوري الحر». والعلة الأخيرة التي يعانيها المجلس هي ارتهانه العضوي الواضح بالدول الراعية له: الولايات المتحدة واوروبا، وخاصة السعودية وقطر وتركيا.
ويشير تقرير حديث صدر، في كانون الثاني/يناير من هذا العام، لمركزي دراسات أوروبيين، إلى أن «المجلس الوطني السوري ليس له وزن، أو له قليل من الوزن والجذور داخل سوريا، وعدد قليل من الأعضاء، مدعوم ومحمول من قطر والسعودية والدول الغربية، ووسائل اعلامها… الهدف الرئيس لهذا الدعم هو شرعنه تدخل غربي محتمل في سوريا . وهو ما يدعو له المجلس بقوة».
والحال، فقد حمل البيان التأسيسي للمجلس الوطني السوري، منذ البداية، تناقضاً بين مبدأين، هما رفض «أي تدخل عسكري يمس بالسيادة الوطنية»، والمطالبة في نفس الوقت «بالحماية الدولية للمدنيين»، بشكل الممرات الإنسانية أو المناطق الآمنة والعازلة. لكن كل ما صدر عنه كان يستدعي تدخلاً عسكرياً اجنبياً، مثل المطالبة الاخيرة للمجلس، في منتصف نيسان/أبريل، الموجهة إلى مجلس الأمن، بالتدخل تحت الفصل السابع، وبيانه الصادر في 21 نيسان/أبريل، الذي يطالب خلاله بـ «تدخل عسكري حاسم».
هذا ويشهد المجلس، في الفترة الأخيرة، أزمة عميقة، بعد فشله في انتخاب (او تعيين) رئيس له، إثر تقديم برهان غليون استقالته من منصب الرئاسة، بعد خلاف عميق نشب بنتيجة إعادته للمرة الثالثة إلى المنصب الذي احتكره منذ تأسيس المجلس المشار إليه، في أوائل الخريف الماضي، وما كشفه ذلك من صراع يبدو جدياً، في كواليسه، بين الإسلاميين ضمنه، وعلى رأسهم تنظيم الإخوان المسلمين، ومَنْ ينسبون أنفسهم، أو تتم نسبتهم، إلى التيارات العلمانية. مع العلم، أيضاً، أن عدداً لا بأس به من أعضائه كانوا قد غادروه، لأسباب شتى، في الأشهر الماضية.
كما أن لجان التنسيق المحلية هددت بالانسحاب، وعلى الأقل بتجميد عضويتها، في حال لم تتم مراجعة الأخطاء، ومعالجة المطالب التي تراها ضرورية لإصلاح المجلس. ورأت أن المجلس بعد اجتماع روما، الذي أدى إلى تفاقم الخلافات إلى حدود قصوى، بات «في تدهور مستمر، وان هناك غياباً للتوافق على رؤية مشتركة بين المجلس والحراك الثوري»، هذا الحراك، الذي يقال إن ممثلين لـ «لجان التنسيق المحلية»، من مثل خليل الحاج صالح، وهوزان ابراهيم، وريما فليحان، كانوا يقاطعون اجتماعات المجلس، في الأشهر الأخيرة، احتجاجاً على تهميشه وهو تهميشٌ ربما يشكل الخشبة التي قد تقصم ظهر البعير.
وهكذا يتقلص، إذاً، حال المجلس الوطني السوري، أكثر فأكثر، بالتالي، إلى مجرد مكتب علاقات عامة، وتمويل، أسير لعرابيه من الدول المذكورة.
أما القوة السياسية المعارضة المعروفة الأخرى، وهي «هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي»، فقد تشكلت في 26 حزيران/يونيو من العام الماضي، وتضم قوى معارضة تقليدية من بقايا أحزاب يسارية وقومية (ولا سيما أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي وتجمع اليسار الماركسي)، وبعض الشخصيات الإسلامية والليبرالية.
ولكنها كانت مرتبكة في تعاملها مع الثورة، في الأشهر الأولى، باستثناء عدد من الكوادر الشابة من حزب الاتحاد الاشتراكي (الناصري).
أما أعضاء بقية الأحزاب الأخرى فكانوا يشاركون بصفتهم الشخصية، وعُرف عنهم أنهم قيادات عتيقة وتقليدية كانت –وما تزال- بعيدة عن فهم ما يجري، باعتباره ثورة، وبعيدة عن نبض الحراك الثوري، وتتعامل معه بتعالٍ، وبفوقية.
وقد تميزت في بداية تشكلها بأطروحات مائعة، حيث نادت بـ «اسقاط النظام الأمني الاستبدادي» و«تغيير النظام»، وكانت، في الأشهر الأولى لتشكلها، منفتحة على الحوار مع النظام، كما تجلى تخبطها وتقليدية عمل قياداتها، بتصريحات بعضهم المسيئة للحراك والثائرين، وادعائها أنها تمثل «الكتلة الصامتة». وقد طرحت جملة من المواقف المتباينة، وهي تراهن بشكل أساسي على العمل الدبلوماسي تجاه الدول الحليفة للنظام: روسيا والصين وإيران، كما انها راهنت على المبادرة العربية، وراهنت طويلاً على مبادرة أنان.
وبحسب تصريح منسقها العام، في زيارة وفد الهيئة لموسكو، في منتصف شهر نيسان/أبريل الماضي، فإنهم يراهنون على تنفيذ مبادرة أنان، ويعملون «على خلق الشروط اللازمة لفتح حوار سياسي» مع النظام. إن سمة «هيئة التنسيق» الأساسية أن موقفها من النظام هو موقف «ملتبس»، في أحسن الحالات.
هذا وتتميز الهيئة بخطاب قادتها، وبياناتها التي تتسم بالتردد الواضح في الوقوف الصريح مع الحراك الثوري، وحديثها المتعالي عنه، بوصفه «بالشارع»، أو «الحراك الشعبي»، أو أحياناً «الانتفاضة- الثورة»، باعتبار الصيغة الأخيرة أقصى ما بلغته في هذا الوصف. لقد انسحب منها الكثير من أعضائها للأسباب المذكورة، علاوة على احتجاجهم على احتكار قيادتها من قبل مجموعة محدودة من الأشخاص. وهي قوى سياسية ما يزال ينظر إليها النظام باعتبارها «معارضة وطنية» يدعوها للحوار معه، ولولا الغطاء السياسي «الآمن» نسبياً الذي توفره هيئة التنسيق للعديد من الناشطين السياسيين داخل سوريا، لغادرها عدد مؤثر ممن بقي فيها من ناشطين فاعلين.
الهيئة الأخرى في الداخل هي تيار بناء الدولة السورية (لؤي حسين)، الذي لا يعتبر نفسه معنياً بقضية السلطة، وهو معني بحوار سياسي مع النظام، وفق شروط معينة، قريب في اطروحاته لهيئة التنسيق.
وأخيراً، هنالك «جبهة التغيير والتحرير» التي تعتبر نفسها معارضة، وتضم كلاً من حزبي «الإرادة الشعبية»، وهو المسمى الجديد لحزب قدري جميل، «وحدة الشيوعيين»، أحد انشقاقات الحزب الشيوعي السوري – خالد بكداش، واحد انشقاقات الحزب القومي الاجتماعي السوري (علي حيدر)، وهما حزبان مقربان من السلطة، وبسبب مواقف قياداتهما البائسة من الثورة غادر الكثير من كوادرهما، وخاصة الشابة، صفوفهما، للانخراط في الحراك الثوري.
ونجد منذ شهر شباط/فبراير نشاطاً لبعض الناشطين، المحبطين من تجربتهم في هيئة التنسيق وغيرها، أو الذين لم يجدوا مكاناً لهم فيها، في محاولة لتشكيل تنظيم جديد، باسم المنبر الديمقراطي السوري (نجد من بينهم ميشيل كيلو وفايز سارة وحازم نهار وسمير العيطة)، الذي عقد اجتماعه الثاني في القاهرة في الفترة بين 13-16 نيسان/أبريل الماضي. ويقدم المنبر نفسه باعتباره ساحة للحوار والنقاش وجسراً لتوحيد المعارضة، والعمل «التوافقي» والفكري»، ولم يخرج عن الاجتماع أي شيء جديد يتمايز به عن القوى المعارضة الاخرى، والاشخاص المبادرون فيه هم من نفس طينة رموز الهيئة والمجلس.
تعبيرات الحراك الثوري
انطلقت الثورة السورية في 15 آذار/مارس 2011، بشكل عفوي، وانتشر اللهيب الثوري على مستوى سوريا ككل، ما تطلّب من الثوار الشباب الحاجة إلى خلق أشكال تسمح لهم بتنظيم الاحتجاجات وتدبير شؤونها الإعلامية والحراكية. فقام هؤلاء الشباب بتكوين «تنسيقيات»، وهو الشكل الذي أصبح شائعاً وواسعاً، وهي ظاهرة في حقيقتها محلية صرفه، تشكلت في الاحياء والمدن والمناطق، وبعضها يلعب دوراً حراكياً أو اعلامياً أو إغاثياً أو فيسبوكياً، والقليل منها يقوم بهذه الأدوار كلها.
لقد أدى غياب قوى سياسية فاعلة على الأرض، وتحظى بنفوذ لدى الثوار، للأسباب التي ذكرنا بعضها أعلاه، إلى حصول ما يشبه تفجراً بركانياً لظاهرة التنسيقيات، إلى حد يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، معرفة عددها فعلاً، وحقيقة حجمها ودور كل منها، ولكن يمكن القول انها تضم تنسيقيات ميدانية، العديد منها غير معروف إعلامياً، وأخرى نشاطها الأساسي إعلامي، وهي أصبحت معروفة، وشهدنا في الأشهر الاخيرة، بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية، تشكل هيئات أو تنسيقيات إغاثة إنسانية. ونود أن نؤكد أن أكثر التنسيقيات فعالية على الأرض ليست بالضرورة تلك المعروفة إعلامياً.
وبعد أشهر من الثورة جرت محاولات لتجميع عدد من التنسيقيات، فأعلن عن تشكيل «اتحاد تنسيقيات الثورة السورية»، الذي صدر بيان تأسيسه، في الأول من حزيران/يونيو عام 2011، وجاء فيه تعريفه كالتالي «باجتماع ممثلي عدد من التنسيقيات المحلية للثورة السورية في مدينة دمشق وريفها ودرعا ودير الزور وحمص، اتفقت تلك التنسيقيات على قرار الاتحاد في تجمع تمثيلي، يشكل نواة لتأسيس «اتحاد تنسيقيات الثورة السورية»، الذي سيضم كل تنسيقيات الثورة السورية الإعلامية والميدانية.
والاتحاد شخصية اعتبارية تضم التنسيقيات التي تنضم إليه، ومهمته تمثيل الحراك المدني على الأرض، سياسياً وإعلامياً، وتنسيق وتوحيد العمل ميدانياً، بالإضافة إلى تشكيل قاعدة لمجلس من شباب وناشطي الثورة، لحماية أهدافها وضمان تحقيقها بشكل كامل.
وتضم هيئة الاتحاد تجمعات التنسيق المحلية من شتى المناطق والمدن والأحياء السورية، ويتميز خطابها بمسحة اسلامية، من دون أن يعني ذلك انتماءها السياسي للإخوان المسلمين، أو لتيارات سلفية.
وتشكلت أيضاً «لجان التنسيق المحلية»، التي تفوقت على القوى السياسية المعارضة التقليدية، بأنها كانت السباقة إلى إعلان تشكيلها، من جهة، وطرح رؤيتها لمستقبل سوريا، من جهة أخرى، وذلك بتاريخ 24 نيسان/أبريل 2011، في بيان شهير ننشره كاملاً: «مع استمرار المظاهرات المطالبة بالحرية في سوريا، وتوسعها إلى مناطق جديدة وأعداد أكبر، أسبوعاً بعد آخر، أصبح من الضروري أن نوضح، بشكل لا لبس فيه، المطالب التي نرجوها من وراء ثورتنا هذه، منعاً للالتباس، وكي لا يتم الالتفاف على مطالبنا، سواء من قبل السلطة ومناوراتها، أو بعض من يحاول التحدث باسمنا، عبر وسائل الإعلام المختلفة.
فشعارات الحرية والكرامة والمواطنة لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال مسار للتحويل الديمقراطي السلمي في سورية، يتم من خلاله إعادة صياغة مؤسسات الدولة الوطنية، على هذه الأسس، عبر جدول زمني سريع ومحدد، وواضح المعالم، يستند أولا إلى الاعتراف بعمق الأزمة الوطنية، التي نعيشها اليوم في سورية، ومواجهتها بشجاعة، بدل محاولات الالتفاف عليها، وتشويه صورتها، عبر إيغال آلة البطش والقمع والتضليل الحكومية، في انتهاك حرمة الدم السوري، وأمان المواطن والوطن، والمقامرة بمستقبل سورية، عبر المتاجرة الرخيصة بمفاهيم الوحدة الوطنية، واللعب المكشوف على الطائفية والتنوع العرقي والديني في سورية.
وذلك من خلال :
1/ وقف استخدام القتل والاعتقال والتعذيب والعنف ضد المتظاهرين السلميين، ووقف البروبغندا الإعلامية المقززة، التي تمارسها وسائل الإعلام الحكومية، والوسائل التي تدور في فلكها، ومحاسبة المسؤولين عن ذلك.
2/ تحمل الدولة السورية لمسؤوليتها عما حصل، وتقديم اعتذار رسمي بهذا الخصوص، والإعلان عن ثلاثة أيام حداد وطني عام على روح جميع الضحايا في سورية (من مدنيين وعسكريين)، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بمشاركة المجتمع المدني، مهمتها كشف ملابسات الأحداث الأليمة، وأن يصار إلى كشف نتائج هذا التحقيق أمام الرأي العام السوري، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وإحالة المرتكبين إلى القضاء، مع ضمان توفر شروط المحاكمات العادلة.
3/ حل الأجهزة الأمنية الحالية والاستعاضة عنها بجهاز أمني محدد الصلاحيات، وفقاً لقانون واضح.
4/ الإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي والسجناء السياسيين في سورية وإطلاق سراح كافة الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية، بمن فيهم من صدرت بحقهم أحكام من قبل القضاء الاستثنائي أو العادي، بعد اعتقالهم على يد الأجهزة الأمنية.
5/ انجاز التعديلات الدستورية التي تفسح في المجال أمام التحول الديمقراطي، وتكريس سوريا كدولة مدنية، بما يحترم التعدد القومي والاثني والديني في البلاد، بما في ذلك إلغاء المادة 8 من الدستور، وتحديد مدة وعدد الدورات لرئيس الجمهورية، وحصرها بدورتين غير قابلتين للتجديد، أو التمديد، وتوسيع سلطات مجلس الشعب.
6/ تعديل قوانين الانتخاب الخاصة بمجلس الشعب والمجالس البلدية، بالشكل الذي تسمح به بإيصال صوت الناخبين الحر، ووضع إراداتهم وخياراتهم الحرة موضع التنفيذ.
7/ انجاز جميع التعديلات والاقتراحات القانونية والدستورية، التي من شأنها ضمان استقلال السلطة القضائية.
8/ إجراء انتخابات المجالس المحلية ومجلس الشعب في مواعيدها، وفقاً للإصلاحات الدستورية المنبثقة عن اللجنة سالفة الذكر.
9/ احترام الدستور للتنوع الثقافي والعرقي في سورية، وضمان الحقوق الثقافية والقومية لكافة مكونات وأشكال النسيج الوطني السوري، ووقف كافة أشكال التمييز على أساس العرق أو الدين.
10/ عودة المنفيين والمهجرين قسرياً، والكشف عن مصير المفقودين، وتسوية حقوقهم وأوضاعهم القانونية، والتعويض لعائلاتهم.
11/ تأسيس هيئة وطنية سورية للإنصاف والمصالحة وفقا لمعايير العدالة في المرحلة الانتقالية وذلك بهدف إزالة كافة بؤر الاحتقان من المجتمع السوري وطي صفحة الماضي إلى الأبد،
12/ إصدار قانون جديد للإعلام يضمن الحريات الصحفية، وفقاً للمعايير الدولية والدستورية وقانون الحق في الحصول على المعلومات، وتحرير الإعلام من سيطرة الحكومة، وخصوصاً لجهة منح التراخيص وسحبها وتحويل إعلام الحكومة إلى إعلام الخدمة العامة، وإنشاء نقابة بالمعنى الفعلي للصحفيين في سورية.»
وتلى ذلك تواقيع اللجان، الخاصة بكل من مدن درعا، وحمص، وبانياس، وسراقب، وأدلب، والحسكة، والقامشلي، ودير الزور، والساحل السوري، وحماه، والرقة، والسويداء، وريف دمشق، ودمشق.
كما تميزت لجان التنسيق المحلية، في الأشهر الأولى للحراك الثوري، بموقفها الواضح من عسكرة الثورة. فقد أشارت في بيانها الصادر في 29 آب/أغسطس 2011 إلى رفضها لعسكرة الثورة، ومخاطرها على النضال الجماهيري الثوري.
وانضمت هذه اللجان إلى المجلس الوطني السوري، وكانت من المؤسسين له، وأوضحت، في بيان لها صدر بتاريخ 20 أيلول/سبتمبر 2011، بخصوص انضمامها إلى المجلس الوطني السوري، أنها تنضم له «رغم وجود بعض الملاحظات على عمل المجلس، وآليات تشكيله وتمثيل القوى فيه».
وكانت لجان التنسيق المحلية متميزة أيضاً في تناولها لقضية التدخل والحماية الدولية، حيث اشارت في الفقرة الثالثة من بيانها، بخصوص الحماية الدولية، الصادر في 2 تشرين ثاني/نوفمبر من العام الماضي، إلى «أننا إذ نصر، في هذه الظروف الخاصة جداً، على حق الشعب السوري المباشر في تأكيد حقه في تقرير مصيره، أمام المجتمع الدولي، نرى بالتالي أن الدعوات القائمة على أساس «الحق في التدخل» أو «واجب التدخل» أو «التدخل الإنساني»، أو حتى «مسؤولية الحماية»، يجب أن لا تؤدي إلى تعطيل تطلع الشعب السوري إلى التغيير السلمي بقواه الذاتية، أو أن يكون مآلها معاملة الشعب السوري بوصفه مجال نفوذ في لعبة الأمم.
يهتف المتظاهرون في مدن وقرى سورية كل يوم بلازمة «الشعب يريد». إن الشعب يريد التحرر من الاستبداد، وأخذ زمام القرار في الشؤون العامة بيده، بشكل مستقل وسلمي، ليقرر مصيره وجميع جوانب حياته العامة، بشكل حر وتداولي، وليبني علاقات سليمة بين الأمم. إن الشعب السوري لا يريد استبدال الاستبداد بالخضوع لنفوذ أجنبي. لقد انتزع الشعب السوري استقلاله، وأسس دولته الحديثة. وهو يتطلع لتحرير كامل أراضيه، وعلى رأسها الجولان، ومواصلة دعم نضال الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى رأسها حقوق الشعب الفلسطيني. وكما يثور الشعب السوري على مستبديه، فإنه لن يتوانى عن الثورة ضد أشكال السيطرة الأجنبية كافة».
وعلى رغم تميز مواقف لجان التنسيق المحلية، في المجالات المشار إليها، إلا أنها ما تزال ترى في المجلس الوطني السوري غطاء سياسياً لها يعبر عن مواقفها، وأحياناً بتناقض صريح مع بعض مواقفها. كما أن معظم عملها، باستثناء بعض التنسيقيات الميدانية، التي تعتبر نفسها جزءاً منها، هو عمل اعلامي ودعمي أكثر منه ميداني. بل وقد وجهت لها انتقادات عنيفة تجاه الدور غير المفهوم لعدد من أعضائها في المشاركة في المحاكم الميدانية لبعض مجموعات «الجيش السوري الحر»، وخاصة في مدينة حمص، و التي لعب فيها هؤلاء الاعضاء دوراً شبيهاً بدور «المفوض السياسي» لأعمال انتقام ادانتها هيئات حقوق الانسان الدولية، وأشارت إليها عدة تقارير صحفية.
كما تواجه انتقاداً من قبل عدد من التنسيقيات، حول عملها الاعلامي والدعمي نفسه، كان الأخير منها هو إعلان تنسيقية مدينة السويداء (جنوب سوريا) انسحابها من لجان التنسيق المحلية، في بيان بتاريخ 20 نيسان/أبريل، لأن الأخيرة تقوم بعملية تجاهل و«تعتيم اعلامي» على نشاط المظاهرات، التي تحصل في بعض المناطق، مثل السويداء والسلمية، أي المناطق التي تقطنها الاقليات القومية والدينية، والتركيز على المظاهرات التي تناسب ما تروج له القناتان الفضائيتان المعروفتان، «الجزيرة» و«العربية»، كما جاء في بيان الانسحاب. إضافة إلى انسحاب واستقالة عدد هام من الفاعلين الميدانيين فيها. ومعروف أن بعض المسؤولين في لجان التنسيق المحلية لهم ميل سياسي لصالح «حزب الشعب الديمقراطي» (رياض الترك) و«إعلان دمشق».
وبسبب تزايد مؤتمرات المعارضة في الخارج، تم تشكيل «الهيئة العامة للثورة السورية»، كعادة هيئات المعارضة المحافظة، وذلك في اجتماع جرى في مدينة اسطنبول، بتاريخ 18 آب/أغسطس 2011 لتضم وفق بيان تشكيلها (40) تنسيقية تشمل صفحات الثورة السورية على الفيسبوك، والشبكات الاعلامية للثورة، ويطغى على بياناتها في الاشهر الاخيرة خطاب اسلامي الطابع، وعملها اعلامي بشكل أساسي.
وليست هذه التنسيقيات المذكورة الأهم في العمل الميداني حقا، إذ هنالك عدد كبير من التنسيقيات الميدانية، فالتنسيقيات الميدانية تتشكل من لجان محلية في المدن، بينما حافظت القرى والبلدات على هيئات باسم تنسيقيات، ويجمع الناشطين فيها، الذين لهم مشارب سياسية مختلفة، أو ليس لهم فكر سياسي محدد، هدف أساسي هو الكفاح المشترك من أجل اسقاط النظام. ولكن طابعها المحلي، وهذا التشظي الذي تعانيه، يبقى واحداً من أسباب ضعف الحراك الثوري.
ثمة عدد منها لا بد من التذكير به، والإشارة إليه، منها مثلاً «اللقاء الوطني لقوى وتنسيقيات الثورة». وهو يضم عدداً هاماً وفعالاً من الناشطين الميدانيين، وخاصة في ثلاث مناطق هي حماة ودرعا ودير الزور. و«أحرار ثورة الكرامة»، وهي مجموعة تنسيقيات ناشطة في دمشق و ضواحيها، و«تجمع نبض للشباب المدني» الذي ينشط في حمص و ريفها و دمشق و ضواحيها، و«ائتلاف وطن» الذي يضم عدداً من الهيئات النشطة ميدانياً على المستوى الوطني، والذي لم يتحول بعد، على رغم نشاطه الميداني، إلى صوت سياسي ملحوظ. فهو يتعرض لضغوط متعددة الاتجاهات: من الاجهزة الامنية، و هذا متوقع. وأيضاً من كل من هيئة التنسيق، والمجلس الوطني السوري، والمنبر الديمقراطي، ولكل منهم أجندته الخاصة به.
وقد جاء في بيان تأسيسه: «تداعت مجموعة من القوى والتيارات والشخصيات المستقلة لتأسيس «ائتلاف وطن»، بهدف تعزيز الانخراط في ثورة شعبنا السوري، والمساهمة في تذليل العقبات التي تعترضها، من أجل المساهمة
