تيار اليسار الثوري في سوريا
21/10/2014
غياث نعيسة
(نشر بالفرنسية بتاريخ 22 اكتوبر في جريدة انتي كابتاليست, للحزب الفرنسي الجديد المناهض للرأسمالية).
(أخذ من الحوار المتمدن- العدد: 4611 – 2014 / 10 / 22)

تستمر مدينة كوباني الكردية، التي تقع في شمال سوريا، في مقاومة الهجوم الوحشي الذي يشنه التنظيم الرجعي المسمى بداعش، وذلك منذ أكثر من شهر, وانتقل فيها المقاتلون, الكرد في وحدات حماية الشعب إضافة الى عدد من كتائب الجيش الحر, من وضع دفاعي إلى وضع هجومي, مما سمح لهم بطرد قوات داعش من بعض الأحياء التي كانت قد سيطرت عليها الأخيرة خلال معارك الأسبوع الفائت.
وأعلنت كلاً من قيادة وحدات حماية الشعب الكردية وأيضاً الإدارة الأمريكية, قبل يومين , عن إلقاء أسلحة وذخائر للمقاتلين الكرد في المدينة.
مدينة رمز للمقاومة
لا تمتلك كوباني, هذه المدينة الكردية الصغيرة, أهمية استراتيجية فعلية, لكنها تحولت بفضل شجاعة مقاتليها إلى رمز للمقاومة في مواجهة همجية قوات داعش, وأصبحت، وقبل أي شيء آخر، مثالاً . لأنها المدينة الأولى التي لم تسقط وتنهار أمام هجوم وارهاب الجهاديين. كما أنها تلك المدينة التي تدافع عنها جماهيرها. وتعطي مقاومة كوباني نموذجاً حياً عن مدى قدرات الجماهير المسلحة والمنظمة في الدفاع عن حريتها وكرامتها، وتعيد، بالتالي، على جدول أعمال السيرورة الثورية، برنامج الثورة الشعبية الأصيل : ضد النظام الدكتاتوري وضد القوى الرجعية للثورة المضادة.
لقد جاء بيان القيادة العامة لوحدات حماية الشعب الكردية في 19ت1 – أكتوبر ليؤكد هذا الانعطاف والتحول، مؤكداً أن « كوباني تشكل نقطة انعطاف تاريخية والنتيجة سترسم ملامح سوريا المستقبل والنضال الديمقراطي لأجل الحرية والسلام » كما أعاد هذا البيان التشديد على أن هذه « المقاومة ( في كوباني) التي تبديها وحداتنا YPG وفصائل الجيش السوري الحر كفيلة بدحر ارهاب داعش … وبناء سورية ديمقراطية حرة… كان أساساً للاتفاقيات المبرمة مع فصائل الجيش الحر. كما نرى بأن نجاح الثورة مرهونة بتطوير هذه العلاقة بين كل الفصائل والقوى الخيرة في هذا الوطن » .
مصير كل من الشعب الكردي والسوري مرتبطان
إنها المرة الاولى التي تقر فيها, وبهذا الوضوح, وحدات حماية الشعب الكردية بكفاحها المشترك مع الفصائل الديمقراطية من الجيش الحر, التي لا يجب الاستهانة بحجم الأخيرة في المقاومة الشعبية المسلحة.
والحال، فان التجربة قد أثبتت أيضا أن تحرر الشعب الكردي مرتبط بشكل وثيق بتحرر الشعب السوري بأكمله من الدكتاتورية ومن الثورة المضادة ومن الهيمنة الامبريالية.
ورغم كل الضجيج الإعلامي والادعاءات , لم تقدم الامبريالية الأمريكية وحلفائها للفصائل الديمقراطية في الجيش الحر إلا القليل من السلاح, الذي بالكاد قد يسمح بعدم سحقهم تماماً من قبل قوات النظام. وبقيت كل طلباتها بالتسلح ولاسيما بمضادات الدبابات والطائرات، تقريبا حرفا ميتا، وبلا جدوى. في المقابل، فان هذه الدول الأمبريالية وحلفائها الإقليميين يعملون على بناء جيش جديد من خمسة آلاف مقاتل خاضع لها ولأوامرها، مما يسمح لها، عندما يحين الوقت « للانتقال المنظم » مع نظام الاسد، بتحسين شروط مفاوضاتها لزيادة نفوذها في البلاد.
السيرورة الثورية مستمرة
منذ قرابة ثلاثة أسابيع والعيون تحدق على كوباني، في الوقت الذي يتابع فيه النظام السوري حربه التي تزداد وحشيتها ضد السكان ومقاتلي الجيش الحر في المناطق الثائرة : فحصاره لحلب يوشك أن يكتمل، كما أن قواته حققت تقدماً واضحاً في ريف دمشق ( الغوطة)، وتقوم قوات النظام بقصف وحشي ومجرم ضد حي الوعر في حمص منذ أسبوعين مستخدمة فيها مختلف انواع الاسلحة ومن بينها صواريخ أرض – أرض في ظل صمت إعلامي مطبق.
في مثل هذه الظروف الشديدة القسوة، تتابع الجماهير السورية نضالاتها من أجل تحررها، فقد رفعت في مظاهرات يوم 17 ت1 – اكتوبر، ولا سيما في حلب، شعاراً رائعاً في تعبيرة عن طبيعة الثورة هو «ثورتنا ثورة شعبية» . وتشهد النقاشات والحوارات التي تجري بين العديد من التنسيقيات الثورية القاعدية تقدماً ملحوظاً حول برنامج ديمقراطي ومناهض للطائفية, ومن أجل توحيد ومركزة نشاطاتها على الصعيد الوطني.
نشهد . إذن, إعادة اصطفاف جديدة للقوى السياسية والاجتماعية في هذه المرحلة من السيرورة الثورية الجارية, تستند على أهم خبرات ودروس السنوات الأربع الماضية للثورة, ومن أهمها حقيقة أن وحدة نضالات القوى الديمقراطية والتقدمية شرط لازم من أجل انتصار الثورة الشعبية.
