
تيار اليسار الثوري في سوريا
15/3/2015
غياث نعيسة
(أخذ عن الحوار المتمدن-العدد: 4753 – 2015 / 3 / 19)
يبدو المشهد السوري في اللحظة الراهنة من الدينامية الثورية التي تشرف على عامها الخامس٬ بالنسبة للبعض ، معقد ومحبط في الوقت نفسه.
حيث يجد ما يبرر الإحباط في تقدم قوى الثورة المضادة٬ المتعددة الرؤوس٬ على حساب القوى الثورية والحراك الشعبي٬ فلا يحتاج الأمر إلى فهم سياسي رفيع لملاحظة ان النظام الحاكم لم يسقط بعد٬ بل استعاد زمام المبادرة العسكرية والسياسية٬ ولاحظنا تكاثر الوفود الأوربية والاقليمية لزيارته٬ وأيضاً نلاحظ التحول العلني في خطاب الدول الكبرى وأغلب الدول الإقليمية تجاهه. فمن المطالبة برحيل الطاغية الاسد إلى القبول به كمفاوض في المرحلة « الانتقالية ». وإن قواته العسكرية المدعومة بقوات ايرانية وحزب الله وعراقية وغيرها بشكل علني ورسمي قد حققت تقدماً عسكرياً في العديد من المناطق السورية.
في حين أن المناطق « المحررة » فقدت أكثر فأكثر من صفتها « محررة » لصالح حقيقة أنها مناطق تقع أكثر فأكثر تحت سيطرة قوى فاشية ورجعية معادية للثورة مثل داعش والنصرة وأحرار الشام وأمثالها, من خلال ممارسة الأخيرة لسياسة القضاء على الحراك الشعبي وعلى الفصائل المسلحة التي ما تزال ترتبط ٬ بشكل أو بآخر, بمطالب الحراك الشعبي٬ مثال حديث على ذلك هو ما قامت به جبهة النصرة في القضاء على العديد من هذه الفصائل مثل جبهة ثوار سورية ولاحقاً حركة حزم.
ومن دواعي الاحباط والشعور بتعقيد الموقف الذي ينتاب مشاعر الآلاف من السوريين وخاصة أولئك الناشطين الذين وصلوا لمرحلة فقدان البوصلة وانعدام استشراف أي أمل بالمستقبل٬ و ما وصل عليه حال المعارضة السورية المكرسة إعلامياً وإقليمياً ودولياً٬ فإضافة إلى فساد قسم هام منها وخاصة الائتلاف التي زكمت رائحة الفساد الذي ينخره أنوف حتى الدول التي ترعيه وتتحكم به٬ فإن الجزء الفاسد منها الذي تاجر بالثورة وبرهاناته على تدخل عسكري خارجي ٬ وأشاع مثل النظام٬ خطاباً طائفياً أضر بالثورة وكان شريكاً للنظام في ذلك.
إذن٬ هذا القسم الفاسد من المعارضة٬ بعد أن أضج أسماعنا بخطاب ثورجي فارغ ورفضه اي تفاوض مع النظام الحالي بوجود الأسد. انتهى به المطاف إلى إعلان قبوله بمفاوضة النظام دون شرط رحيل الأسد. وكان يكفي أن يقبل الرئيس الفرنسي هولاند باستقبال خالد خوجة رئيس الائتلاف الحالي لمدة نصف ساعة لكي يخرج الأخير بموقف مغاير يقبل بسحب شرط رحيل الأسد لمفاوضة النظام.
وأخيراً اتفقت كلاً من هيئة التنسيق والائتلاف, في هذا السياق٬ على وثيقة مبادئ تسمح لهما بالعمل المشترك. وذلك في إطار طبخة اقليمية ودولية لحل « سياسي » أي فوقي يحافظ على أسس ومقومات نظام الطغمة الحالي مدمجاً به بعض المعارضين الليبراليين الذين أبدوا خلال أربعة سنوات استهتارا لا حدود له بتضحيات الشعب السوري ورغبته بالتحرر.
ولكن بالرغم من هذا الجو من الإحباط المذكور٬ نجد عوامل عدة تناقضه٬ فالناس ما تزال تأمل بتغيير شامل ينقل حياتها إلى حال أفضل مما كانت عليه٬ وأصبحت السياسة والاهتمام بمصير البلاد ومستقبلها يعني كل الناس التي لم تعد تخاف أن تعبر عن رأيها٬ حتى في مناطق النظام.
كما أن النظام قد أثبت ٬ مرة أخرى٬ عن استهتاره بحياة الناس وفاقم من قمعها وافقارها٬ وانكشف عن وجهه كطغمة حاكمة ومالكة٬ ولا ترى فيه الناس حتى تلك التي تحياده الآن خشية من القوى الرجعية نظاماً سياسياً صالحاً للبقاء.
في حين أن الجماهير التي تقبع تحت سطوة القوى الجهادية الرجعية والفاشية٬ فإن كان عند بعضها٬ سابقا٬ شيء من الوهم عن أن « الاسلام هو الحل » فان ممارسة هذه القوى الرجعية الوحشية بحق الجماهير جعل الاخيرة تتخلص وبشكل مبكر من هذا الوهم المدمر.
علاوة على أنه بالرغم من تراجع الحراك الشعبي فإنه لم يتوقف٬ فالمظاهرات ما تزال تخرج ليس فقط ضد نظام الطغمة فحسب ٬ بل وأيضًا ضد قوى الثورة المضادة كداعش والنصرة كما جرى مؤخراً في ببيلا وبيت سحم. كما أن حركات الاحتجاج تتفاقم في المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام.
لذلك ٬ لم يعد مهماً سياسياً , متابعة مواقف هذه المعارضة المرتهنة لأنها في الواقع لا تملك قرارها وليس لها أدني استقلالية عن الدول التي ترعاها. وهي ليست سوى بيادق بأيدي الأخيرة.
وفي مثل هكذا لحظات صعبة من تراجع للحراك الثوري٬ وتقدم ملحوظ لقوى الثورة المضادة٬ وتدخل اقليمي ودولي يعمل على انضاج حل لا يتوافق٬ على ما نعتقد٬ مع ما قدمت من أجله الجماهير الشعبية السورية أغلى الاثمان اي اسقاط نظام الاستبداد والقهر والاستغلال وبناء نظام حر وديمقراطي يقوم على المساواة والعدل ٬ في مثل هكذا لحظات صعبة سيكون من الإيغال في الوهم الرهان مجدداً على هكذا معارضة أو على نوايا النظام الإقليمي والدولي الذي لا يعنيه بشيء مصالح الشعب السوري ولا معاناته٬ وهو ما كشفته السنوات الأربع الماضية ٬ لمن لا يزال يرغب بعدم رؤية الواقع.
إذن في مثل هذه اللحظات العصيبة٬ فإن الموقف الذي كان وما يزال صحيحاً٬ هو الرهان على انهاض كفاح جماهير شعبنا٬ رغم الوهن والانهاك الذي أصابها٬ لأن تعديل موازين القوى الاجتماعية والسياسية داخل سوريا هو وحده القادر على فسح المجال لمخارج تتوافق مع مصالح شعبنا في تحرره من كل استبداد ووصاية ،من أجل الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.
وهذا ما يتطلب من جهة تنسيق وتجميع نشاطات ما تبقى من تنسيقيات وهيئات العمل الشعبي والتجمعات والمجالس المحلية التي ما تزال تحمل برنامج الثورة الشعبية بشكل يسمح بإنهاض الحراك الشعبي الثوري بمطالبه المذكورة أعلاه٬ وفي الوقت عينه٬ ضرورة تشكيل جبهة ديمقراطية يسارية ثورية واسعة ٬ كقطب ثالث ضد النظام وضد قوى الثورة المضادة الرجعية٬ في آن معاً ٬ تحمل برنامج الثورة الشعبية وتسمح بإظهار قيادة سياسية ثورية بديلة عن معارضة الارتهان للقوى الاقليمية والدولية٬ الشرقية والغربية.
وفيما يخصنا فإننا ما زلنا نرى الأهمية القصوى لمتابعة العمل على بناء اليسار الجذري وحزبه٬ فقد أثبتت وقائع الثورات في منطقتنا إن غياب الحزب الثوري الجماهيري كان من أهم العوامل التي تمنع انتصارها٬ وسمح٬ ضمن عوامل أخرى٬ بتقدم الثورة المضادة التي تهيمن اليوم على المشهد السياسي في عموم منطقتنا. ولأن التأخر في بنائه سيعني إعادة دورة الفشل في الموجات الثورية القريبة القادمة٬ لا محالة.
لا مكان إذن٬ في هذه اللحظات الحاسمة٬ للتردد أو الاحباط أو الاستسلام.
فلنتابع الكفاح والعمل بلا هوادة
